بروفيسور احمد محمد الحسن

ولد بمدينة بربر أحدى أهم حواضر السودان في القرن الثامن والتاسع عشر وهي المدينة الرئيسية لقبيلة الميرفاب أحد فروع الجعليين.
توفيت والدته وهو في سنوات الطفولة عقب ولادة أخيه الاصغر وأنحفر ذلك عميقاً في ذاكرته وربما كان أحد الاسباب التي قادته لدراسة الطب وقد عرف بالنبوغ منذ سنوات دراسته الباكرة لكن المفارقة أن دخوله للمدرسة كان عن طريق القرعة حيث كانت المدارس قليلة آنذاك ومنها مدرسة بربر الآبتدائية وكان ذلك من حسن حظه وحظ السودان معاً كان من عوامل الحظ الحسن أيضاً أن النظام التعليمي في السودان كان آنذاك في أفضل حالاته تحت ظل الحكم الانجليزي – المصري ، فقد قاد معهد بخت الرضا الذي قام عليه رجال من أمثال عبد الرحمن علي طه وقرفيت تجربة رائدة ومتفردة في مجال التعليم جمعت بين الاصالة والمعاصرة وما بين المناهج التجريبية الجديدة والتراث العلمي البريطاني – المصري والسوداني وكان نتاجها علماء من أمثال أحمد محمد الحسن وغيره إلى أن اغتالتها أيدي ماعرف بالسلم التعليمي أوائل عهد إنقلاب مايو 1969 سمحت بتجربة بخت الرضا في التعليم لنمو متعدد المعاني والأبعاد لشخصيات الطلاب ولأخراج أفضل ما لديهم .

كانت السيرة المهنية لأحمد محمد الحسن حلقات من العطاء المتصل فعقب حصوله على درجة الدكتوارة في بحث متميز عن الطوحال كجزء من الجهاز المناعى عاد إلى السودان مباشرة وأنغمس في التدريس والبحوث وقام بنشر العديد من الأبحاث في مجال الأورام والأمراض المتوطنة أهلته لنيل درجة الاستاذية في سن مبكرة وصار عميداً لكلية الطب جامعة الخرطوم في أزهى فتراتها (1970) وبعد إنقلاب يوليو 1971 وتحول النميري إلى الجمهورية الرئاسية والحكم الاوتوقراطي الفردي قبل أن يكون وزيراً للتعليم العالي حتى يقوم بحماية جامعة الخرطوم ومؤسسات التعليم العالي القليلة آنذاك من تغول السلطة وقد كانت فترة قصيرة لكنها حافلة بالانجاز انتهت بخلاف مع رئيس الدولة آثر أن يترك على أثره منصب الوزير ويعود إلى مقعده خلف المجهر والذي في الواقع لم يتركه للحظة إذ يحكى أنه كان يحتفظ بمجهر حتى في مكتبه بالوزارة استطاع وهو الطبيب المتميز والنطاس البارع استطاع ان ينظر إلى مهنة الطب نظرة شاملة ومتقدّمة في زمنها سواء حينما كان عميداً لكلية الطب أو حينما أنشئ المجلس القومي للبحوث الذي كان أول رئيساً لمجلس أبحاثه الطبية. كما قام أيضاً بتأسيس معهد المختبرات الطبية -كلية المختبرات الطبيه جامعة الخرطوم حاليا

تميزت أبحاثه دائماً بالجمع ما بين العلوم الأساسية والتطبيقية السريرية ألهمت أجيالاً من الباحثين . والمتأمل في السيرة الذاتية لأحمد محمد الحسن يجد اتصالاً في النشر العلمي طوال العفود الماضية وحتى اليوم لم تقطعها سنوات الهجرة أو المصاعب الخاصة أو العامة حتى ناهزت اليوم المئتا ورقة علمية محكمة وأكثر من 4 كتب .

في أواخر السبعينات هاجر إلى المملكة العربية السعودية حيث قام بتأسيس كلية الطب بجامعة الملك فيصل وقام بمواصلة بحوثه العلمية في مرض اللشمانيا المنتشر هناك .

وعقب انتفاضة أبريل 1985 عاد إلى السودان دون تردد وصادفت عودته تصاعداً في وتيرة الحرب الأهلية بجنوب السودان والوباء الشهير بمرض الكلازار الذي فتك بعشرات الآلاف في مناطق أعالي النيل ودفع الآلاف للهجرة شمالاً وكان من حسن حظ أولئك المرضى أنه كان موجوداً بذخيرته العلمية الواسعة حيث قام بإنشاء مستشفى بالتعاون مع منظمة أطباء بلا حدود كان ذلك بداية لتعاون معها أمتد لسنوات أثمر عن تدريب أجيال من الباحثين السودانيين والأوربيين صار معظمهم ممن يشار اليهم بالبنان .

في عام 1989 قام بجولة ثانية ساقته إلى مناطق نائية في شمال السودان ومنطقة النيل الأزرق للتعرف على الطبيعة الوبائية للمرض على الواقع حيث عثر على قرية في نهر الرهد بها نسبة إصابة عالية من المرض بمساعدة فريق مكون من أطباء ، فني واحد، وسائق تم التعرف على البؤرة التي تحولت إلى أحد أهم المراكز للبحوث والتدريب في طب المناطق الحارة ، فتحت شجرة لالوب وبضع كراسي بلاستيك كان يتم في البداية الكشف على المئات من المرضى الذين حولهم وباء الكلازار هم وأسرهم إلى أسمال باليه ، وكانت الاسر تقوم ببيع كل ممتلكاتها بما فى ذلك الحيوانات التي تعتمد عليها في الغذاء لعلاج أبنائها وعبر الزيارات المتكررة والدراسة والطب المبني على البرهان والبحث تمت محاصرة الوباء ورويداً فتحت المدارس التي أغلقت بسبب موت التلاميذ أبوابها وعادت الحياة إلى منطقة نهر الرهد .

كان الأمر جديداً على سكان المنطقة الذين اعتادوا أن يهاجروا لمقابلة الطبيب وبدلاً من ذلك يهبط عليهم أخصائيون قاطعين الفيافي (المسافة أحدى عشر ساعة بالعربة من الخرطوم إلى المنطقة) . بالفعل تحولت المنطقة إلى مؤسسة للتدريب في الأمراض المتوطنة بدءاًً من العلوم السريرية والعلوم الأساسية في أقتصاديات العلاج والتدريب على احترام المجتمع وعادته ومعرفة لغة المريض وكيفية تطوير التثقيف الصحي ليناسب الظروف المختلفة ، وكانت طريقة التدريب بإعطاء المثل وليس بالمحاضرة فمثلاً في التعامل مع مرضى الجزام كان يزورهم في منازلهم ويأكل من طعامهم وما يقدمونه من شراب لكسر(التابو) الشائع عن مرض الجزام .

كان يقيّم باستمرار قدرات الفريق وضرب المثل بما يمكن أن تشكله الرعاية الصحية والفرق الذي يمكن ان تحدثه في حياة المجتمعات البسيطة التي تشكل أغلبية مواطني السودان و تؤسس بذلك وبشكل عملي لمدرسة فكرية في الرعاية الصحية والطب .

في عام 1993 أنشأ معهد الأمراض المتوطنة بجامعة الخرطوم والذي سكب فيه عصارة خبرته ورؤاه لمستقبل الأبحاث في الامراض الشائعة حيث جمع المعهد ما بين البحث في العلوم الأساسية مثل المناعة والاحياء الجزيئية مع العمل الحقلي فربط بذلك تلقائياً ما بين البحث والتطبيق وتحت قيادته وباسهام الكادر العلمي الذي انتقاه وبالتعاون مع المجتمع العلمي البحثي والطبي داخل وخارج السودان .

نشر المعهد أكثر من ورقة علمية في الفترة ما بين 1993 و 2006 وتم اعتماده بواسطة أكاديمية العالم الثالث للعلوم وهيئة الصحة العالمية كمركز متميز للأبحاث . كان من أبرز الانجازات العلمية فيه دراسة وفهم العلاقة المناعية بين مرضي اللشمانيا الحشوية و اللشمانيا الجلدية مما سمح بتطوير اول لقاح للشمانيا الحشوية تمت تجربته في المنطقة الموبؤة بدرجة مقبولة من النجاح. و فهم دورالاشعة فوق البنفسجية فى مرضى الكلزار العقبى و الاساس المناع لذلك الاثر

تم تكريم أحمد محمد الحسن بواسطة هيئة الصحة العالمية والجمعية الملكية لطب المناطق الحارة بأوسمة وأنواط رفيعة وكرمته الدولة السودانية وكرمه تلاميذه وزملاؤه في أكثر من مناسبة لكن التكريم الذي كان يترك أعمق الأثر فيه هو امتنان فقراء المرضى وبسطاء الناس الذين رأوا فيه الصورة الحقيقية للطبيب الإنسان

المصادر
---------------------------------------------------------------------
منظمة دعم المرضى patient support organization
---------------------------------------------------------------------